التزوير الأدبي في القول العربي!
حدّثنا أبوسفيان العاصي قائلاً: (إنّكم تحاربون التّزوير، وتكافحون الفساد، وتنشرون ثقافة الإصلاح بين العباد؛ ولكن هناك الفساد الخفي الذي يمكن اعتباره أخفى من دبيب النّملة السّوداء، في صحراء جرداء، في ليلة ظلماء.. لا يراه إلا الراسخون من العقلاء من شعراء ونثراء وأدباء وبسطاء)! حينها تطلّعنا إلى شيخنا بحبور أصفر، وانتظار أخضر، وقلق أسمر؛ لأنّنا منذ زمن لم نأخذ منه ما يبلّ الرّيق، ويُسعد الصّديق، ويشرح صدر الرّفيق. يعيننا على وعثاء السّفر في الدّنيا ووحشة الطّريق! لم يتردّد شيخنا أبوسفيان في شرح مفهومه للتزوير الذي يجب أن يُقاوم، كما تُقاوم الآفات المارّة والحشرات الضارة، يقول: (إنّ أكبر تزوير يمارسه الشّعراء في هذا العصر – بعد النّفاق في مدح الأمراء والرؤساء والكُبراء، طبعًا – هو هذا التشهّي في تشويه الواقع، وتزويره، حيث يسكنون القصور، ولكنّهم يمدحون الخيام، ويركبون السيّارة، ثمّ يحنّون إلى النّاقة، ويتقلّبون في نعيم الحياة؛ ولكنّهم بذاكرة ملوّثة – يتغنّون – بالبداوة.. إنّهم يعيشون في المدن، ويستهلكون خيراتها بوحشة بدويّة، ثمّ يشكرون نقاء الصّحراء التي لم تمنحهم إلا العطش والغبار والجفاف.. أليس هذا تزويرًا للواقع؟!) وبعد هذه الجملة التأمّليّة صرخ شيخنا صراخ المحب، وعتب عتاب الصّديق قائلاً: (اتركوا العيش في الذّاكرة والأخذ منها، تصادقوا مع الأشياء التي تتعاطونها كلّ يوم، أشكروها، ومجّدوها في قصائدكم، واعكسوا عصركم وثقافته وموجوداته ومعطياته، ولا تعيشوا كأنّكم تعانون من حالة فصام، بحيث تعيشون مع شيء، وتكتبون وتمدحون وتشكرون شيئًا آخر)! لقد أعجبني، والحديث لشيخنا أبوسفيان العاصي، من شعرائكم شاعر يُقال له الفيّاض؛ لأنّه أخلص لأشيائه، ووصف أدواته التي تعيش فيه ومعه وحوله، وذلكم نجاح كبير، وتفوّق وفير، وكلام بالإعجاب جدير.. يقول الشّاعر الفيّاض في نصّه الصّباحي الذي قاله بدلاً من قول صباح الصّحراء أو صباح الخيمة، أو صباح النّاقة يقول: صباح فرشاة أسنانك صباح عطرك الاستيلي صباح عقدك المرجاني صباح جهازك المحمول صباح سائقك، صباح مدينتك، صباح مقهاك، صباح أساورك، صباح حذائك المخملي الجميل! صباحك، صباح دفئك ومشتاك، صباح غربتي بعيدًا عنك، صباح عباءتك، صباح أظافرك الصقيلة، صباح أصابعك اللّدنة! صباحك.. صباح المطر، صباح المزاريب ينهمر، صباح الدّموع، صباح النشيج، صباح السيّاب والخليج)! حسنا، ماذا بقي ؟ بقي القول : آهِ.. ما أجمل المعاصرة، وما أحلى ترك المكابرة، لأنّ ما يعيش معنا وبيننا يستحقّ المحاورة، وله حقّ المجاورة! أحمد عبدالرحمن العرفج [emailprotected] رابط الخبر بصحيفة الوئام: التزوير الأدبي في القول العربي!
©