نفض الغبار عن مفهوم «خصومة الكبار» | أحمد عبد الرحمن العرفج
الاختلَاف بَين البَشَر سُنّة كَونيّة، لَكن فَنّ إدَارة الاختلَاف؛ لا يُتقنه إلَّا قلّة مِن النُّبلاء، الذين يَحفظون لخصُومهم مَكانتهم الاجتماعيَة والثَّقافيّة..! وكُلَّما امتَلَك الإنسَان بَصيرة نَافِذة، واتّسعت آفَاقه، وزَاد رَصيده مِن الوَعي، وتَشرّب الرُّقي والسِّموّ، وتَراكَمت تَجاربه وخبرَاته، وتَنوّعت مَصادر اطّلاعه.. أقول: كُلَّما حَاز عَلى هَذه الصِّفات، كَان أكثَر تَقديراً وإجلَالاً لخصُومه، وهَذه لَيست مُجرّد نَظريّات مِثَاليّة، بَل هي مِن سِمات ومَزَايا أخلَاق الكِبَار..! ويَحضرني -سَاعة كِتَابة هَذا المَقال- مِثالٌ فَريدٌ عَلى "أخلَاق الكِبَار"، قَدّمه الشَّاعِر "عمر أبوريشة"، حِين رَثَى الزَّعيم السّياسي السّوري الكَبير "سعدالله الجَابري" -رَئيس وزرَاء سُوريا في الأربعينيّات-، رَغم أنَّه كَان مِن أشَد المُنَاوئين لَه فِي حيَاته، ليُؤكِّد أنَّ النَّقد لا يَنتقص مِن المَنقود، بَل يزيده رِفعةً، وأنَّ اختلَاف الرَّأي لَيس بَريئاً -فَقط- مِن تُهمة إفسَاد المَودّة، بَل يُوطّد المَحبَّة والاحترَام، إذَا مَا أجَاد الطَّرفَان تَحييد وجهَات نَظرهم؛ عَن مَشَاعِر الكُره والبُغض..! تَقول القصّة: في الذِّكرَى الأُولَى لرَحيل "سعدالله الجابري"، أصرّ "آل الجابري" أنْ يَكون الشَّاعِر "عمر أبوريشة"، أوّل المُتكلِّمين في رثَائه.. فأجَابهم "عمر": لِي شَرط وَاحد فَقط، وهو أنْ أَشَاهد المَنزل الذي كَان يَقطنه الفَقيد. فأجَابُوه: حبًّا وكَرَامَة.. وتَوجّه "أبوريشة" إلَى المَنزل، وكَان في شَارع "شُكري القوتلي"، وعِندَما صَعد إلَى الطَّابِق الثَّاني، شَاهد غُرفة النَّوم؛ وبهَا نَافذة وَاحدة مُطلِّة عَلى الشَّارِع، أحَد زُجَاجها مَكسور، وطَبَق مِن الكَرتون يُغطِّي نِصف النَّافِذة، فقَال "أبوريشة" مُستغرباً ومُتعجِّباً: هُنَا كَان يَنام رَئيس وزرَاء سُورية؟! فأجَابوه: نَعم.. فهو لَم يَقبض قِرْشاً وَاحِداً مِن الدَّولة، لأنَّه كَان يُوقِّع في نهَاية كُلّ شَهر؛ عَلى جَدوَل الرَّاتِب، ويَطلب إلَى مُدير مَكتبه أن يُوزِّعه عَلى المُستخدَمين.. وهُنَا انتَفَضَ "عمر أبوريشة"، وهَزّته هَذه المَأثرة الفَريدة، ورَثَاه في قَصيدة عَصمَاء، مِنها هَذه الأبيَات: هَيْكَلُ الخُلْدِ لاَ عَدَتْكَ العَوَادِي الأَقَاحِي أَنْتَ إِرْثُ الأَمْجَادِ لِلأَمْجَادِ سَعْدُ: يَا سَعْدُ إِنَّهُ لنِدَاء مِنْ حَنِينٍ فَهَلْ عَرَفْتَ المُنَادِي؟ أَنَا يَا سَعْدُ مَا طَوَيْتُ عَلَى اللُّؤْمِ جَنَاحِي ولاَ جَرَحْتُ اعْتِقَادِي شَهِدَ اللهُ مَا انْتقَدْتُكَ إِلاَّ طَمَعاً أَنْ أَرَاكَ فَوْق انْتِقَادِي وَكَفَى المَرْءُ رِفْعَةً أَنْ يُعَادَى فِي مَيَادِينِ مَجدِهِ وَيُعَادِي حَسناً.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ أقول: رَحَم الله النَّاقِد والمَنقود، ففي خصُومتهما عِبْرَة لكُلِّ مَن تُحدّثه نَفسه؛ باحترَاف مِهنة الأدَب، مَفَادها: "أنَّ اختلَاف الكِبَار، يَترفّع عَن الضَّغائِن والأحقَاد"..!!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS تبدأ بالرمز (20) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى 88591 - Stc 635031 - Mobily 737221 - Zain
©