رشّة عطر من نفحة شِعر | أحمد عبد الرحمن العرفج
كُلّما هَربتُ مِن سِجن الشِّعر؛ أعَادتني إليهِ عَواطفي بالقوّة الجَبريّة، مُستخدمة السّلاح الوَردي المُتمثِّل في «الحَنين إلَى كَهف الكَلِمَات المُهاجرة؛ إلَى عُمق الذَّاكرة»..! كَيف لَا أَعُود؛ حِين أقرَأ للشَّاعر الكَبير «أبوالفتح النحاس»، وهو يَقول في قَصيدة شَدَى بِهَا مُطربون كُثر يَقول في مَطلعها: بَاتَ سَاجِي الطَّرْف والشَّوقُ يُلِحُّ وَالدُّجَى إِنْ يَمْضِ جُنْحٌ يَأْتِ جُنْحُ وَكَأَنَّ الشَّرْقَ بَابٌ لِلدُّجَى مَا لَهُ خَوْفُ هجومِ الصُّبحِ فتحُ ثُمَّ يَقول في كَلام كَأنَّه السّحر، شَاكيًا مِن بُعد الأحبَاب، وهِجرة النّوم، وطُول السَّهر: لسْتُ أَشْكُو حَرْبَ جفني لِلْكَرى لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ الدَّمْعِ صُلْحُ ثُمَّ يُبيّن أنَّ الدّموع والبُكَاء هي الزّكاة؛ التي يَجب أنْ يَدفعها كُلّ مُحب، مِثل ذَلك السّحاب؛ الذي لا فَضل لَه إذَا لَم يَتحوّل إلَى مَطر مُنهمر، لذَلك يَقول: إِنَّمَا حَالُ المُحِبِّين البُكَا أَيُّ فَضْلٍ لِسَحَابٍ لاَ يَسِحُّ يَا نَدَامَايَ وَأَيَّامَ الصِّبَا هَلْ لَنَا رَجْعٌ وَهَلْ لِلْعُمْرِ فَسْحُ صَبَّحَتْكَ المُزْنُ يَا دَارَ اللّوَى كَانَ لِي فِيكَ خَلاَعَاتٌ وَشَطْحُ حَيْثُ لِي شُغْلٌ بِأَجْفَانِ الظِّبَا وَلِقَلْبِي مَرْهَمٌ مِنْهَا وَجُرْحُ ثُمَّ يُصوّر لَنَا «النحاس» جرَاحه المُتعدِّدة، حَيثُ يُعالج جَرحًا ليَستيقظ جَرحٌ آخَر، لِذَا قَال: كَمْ أُدَاوِي القَلْبَ قَلَّتْ حِيلَتِي كُلَّمَا دَاوَيْتُ جُرْحًا سَالَ جُرْحُ وفي النّهاية يَثور عَلينا الشَّاعر «أبوالفتح النحاس»، ويُهاجم مِن حَسّنوا القَول ولَطّفوه، ليَصفوا الابتعَاد عَن الوَطن بالغُربَة، ومَا عَلِمُوا أنَّ الغُربَة بكُلِّ أشكَالها تَذبح الأحرَار، لذَلك يَقول شَاعرنا: حَسَّنُوا القَوْلَ وَقَالُوا غُرْبَةٌ إنَّمَا الغُرْبَةُ لِلأَحْرَارِ ذَبْحُ فَانْتَقِدْنِي واتّخِذْنِي بُلْبُلًا صَدْحُهُ بَيْنَ يَدَيْ عَلْيَاكَ مَدْحُ حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي القَول: هَذه رشّة عِطر مِن ذَاكرتي حِين تَعود إلَى الشِّعر.. هَذا الشِّعر الذي أعتَبره سِلَاحًا لَفظيًّا، يَصرعني كُلّ يَوم.. أسأَل الله بأسمَائه الحُسنَى وصِفَاته العُليا؛ أنْ يَعصمني مِن جَحيم القَوافي، ومِن كُلِّ قَول غَير وَافٍ..!!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS تبدأ بالرمز (20) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى 88591 - Stc 635031 - Mobily 737221 - Zain
©